أحمد بن محمد القسطلاني
62
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
مصدر بمعنى الخلوة أي الاختلاء وهو بالرفع نائب عن الفاعل ، وعبر بحبب المبني لما لم يسم فاعله لعدم تحقق الباعث على ذلك وإن كان كلٌّ من عند الله ، أو تنبيهًا على أنه لم يكن من باعث البشر ، وإنما حبب إليه الخلوة لأن معها فراغ القلب والانقطاع عن الخلق ليجد الوحي منه متمكنًا كما قيل : فصادق قلبًا خاليًا فتمكّنا . وفيه تنبيه على فضل العزلة لأنها تريح القلب من أشغال الدنيا وتفرغه لله تعالى فيتفجر منه ينابيع الحكمة ، والخلوة : أن يخلو عن غيره بل وعن نفسه بربه ، وعند ذلك يصير خليقًا بأن يكون قالبه ممرًّا لواردات علوم الغيب ، وقلبه مقرًّا لها . وخلوته عليه الصلاة والسلام إنما كانت لأجل التقرب لا على أن النبوّة مكتسبة . ( وكان ) عليه الصلاة والسلام ( يخلو بغار حراء ) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبالمد ، وحكى الأصيلي فتحها والقصر وعزاها في القاموس للقاضي عياض ، قال : وهي لغية وهو مصروف إن أُريد المكان وممنوع إن أريد البقعة ، فهي أربعة : التذكير والتأنيث والمد والقصر ، وكذا حكم قباء وقد نظم بعضهم أحكامها في بيت فقال : حرا وقبا ذكّر وأنّثهما معًا . . . ومدّ أو اقصر واصرفن وامنع الصرفا وحراء جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال على يسار الذاهب إلى منى والغار نقب فيه . ( فيتحنث فيه ) بالحاء المهملة وآخره مثلثة ، والضمير المنفصل عائد إلى مصدر يتحنث ، وهو من الأفعال التي معناها السلب أي اجتناب فاعلها لمصدرها ، مثل تأثم وتحوّب إذا اجتنب الإثم والحوب . أو هي بمعنى يتحنف بالفاء أي يتبع الحنيفية دين إبراهيم والفاء تبدل ثاء ، ( وهو التعبد الليالي ذوات العدد ) مع أيامهن ، واقتصر عليهن للتغليب لأنهن أنسب للخلوة . ووصف الليالي بذوات العدد لإرادة التقليل كما في قوله تعالى : { دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ } [ يوسف : 20 ] أو للكثرة لاحتياجها إلى العدد وهو المناسب للمقام ، وهذا التفسير للزهري أدرجه في الخبر كما جزم به الطيبي . ورواية المصنف من طريق يونس عنه في التفسير تدل على الإدراج ، والليالي نصب على الظرفية متعلق بقوله يتحنث ، لا بالتعبد لأن التعبد لا تشترط فيه الليالي بل مطلب التعبد . وذوات نصب بالكسرة صفة الليالي ، وأبهم العدد لاختلافه بالنسبة إلى المدد التي يتخللها مجيئه إلى أهله ، وأقل الخلوة ثلاثة أيام . وتأمل ما للثلاثة في كل مثلث من التكفير والتطهير والتنوير ، ثم سبعة أيام ثم شهر لما عند المؤلف ومسلم جاورت بحراء شهرًا ، وعند ابن إسحاق أنه شهر رمضان . قال في قوت الإحياء : ولم يصح عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أكثر منه ، نعم روى الأربعين سوار بن مصعب وهو متروك الحديث . قاله الحاكم وغيره ، وأما قوله تعالى : { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ } [ الأعراف : 142 ] فحجة للشهر ، والزيادة إتمامًا للثلاثين حيث استاك أو أكل فيها كسجود السهو فقوي تقييدها بالشهر وأنها سُنّة . نعم الأربعون ثمرة نتاج النطفة علقة فمضغة فصورة والدر في صدفه . فإن قلت : أمر الغار قبل الرسالة فلا حكم ؟ أجيب بأنه أوّل ما بدىء به عليه الصلاة والسلام من الوحي الرؤيا الصالحة ، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء كما مرّ . فدلّ على أن الخلوة حكم مرتب على الوحي لأن كلمة ثم للترتيب ، وأيضًا لو لم تكن من الدين لنهى عنها ، بل هي ذريعة لمجيء الحق وظهوره مبارك عليه وعلى أمته تأسّيًا وسلامة من المناكير وضررها ، ولها شروط مذكورة في محلها من كتب القوم . فإن قلت : لمِ خصّ حراء بالتعبد فيه دون غيره ؟ قال ابن أبي جمرة : لمزيد فضله على غيره ، لأنه منزوٍ مجموع لتحنثه وينظر منه الكعبة المعظمة ، والنظر إليها عبادة ، فكان له عليه الصلاة والسلام فيه ثلاث عبادات : الخلوة والتحنث والنظر إلى الكعبة . وعند ابن إسحاق أنه كان يعتكف شهر رمضان ، ولم يأت التصريح بصفة تعبده عليه الصلاة والسلام ، فيحتمل أن عائشة أطلقت على الخلوة بمجردها تعبدًا فإن الانعزال عن الناس ولا سيما من كان على باطل من جملة العبادة ، وقيل : كان يتعبد بالتفكر ، ( قبل أن ينزع ) بفتح أوّله وكسر الزاي أي يحن ويشتاق ويرجع